محمد أبو زهرة
1274
زهرة التفاسير
« من بدّل دينه فاقتلوه » « 1 » . هي القتل ؛ وذلك لقطع السبيل على الذين يدخلون في الإسلام ظاهرا ، وهم يريدون إثارة الشك حول حقائقه ، وليس في ذلك منافاة للحرية الدينية التي قررها الإسلام في قوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . . . ( 256 ) [ البقرة ] ولقد كان أولئك الذين أخذوا بذلك الطريق الخبيث لإفساد العقائد يظهرون في عصور الإسلام الوقت بعد الآخر ، وهم الزنادقة ، فهم كانوا في باطنهم كفارا يستترون بستار الإسلام ليفسدوا الأمر على أهل الإسلام ، ويشككوا الناس في عقائدهم . وإن الفقهاء كانوا يحذرون الناس من سمومهم التي ينفثونها ، وقرر جمهورهم أن كل مرتد يستتاب إلا من عرف بالزندقة ، فإنه يتخذ التوبة ستارا ليستطيع بها الكيد للإسلام وأهله ، فيرد عليه كيده في نحره ، وإن ظهر منه الكفر الذي يحاول ستره يؤخذ بالنواصي والأقدام . وإن أهل الكتاب ليبالغون في التدبير للاحتياط من أن يذهب منهم إلى المسلمين من يؤمنون بالإسلام ، فهم يحاولون من جهة بث الشّك في الإسلام بين أهله ، ومن جهة أخرى يعملون على الاحتياط من أن يدخل أحد منهم في الإسلام ، ولذلك يثيرون العصبية الدينية فيما بينهم ، ويتداعون ألا يذعن أحد منهم لغير طائفته ؛ ولذلك يقولون : وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ : أي لا تذعنوا مصدقين مقرين بالحق إلا لمن تبع دينكم ، أي لا تنطقوا بالحق الذي تعلمونه مذعنين له إلا لمن تبع دينكم ؛ وذلك لأنهم يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم ، وبين أيديهم الأدلة الصادقة الناطقة بصحة دعوته ؛ فهم يعرفون ذلك ويتذاكرونه فيما بينهم ، ولكنهم يتناهون عن أن يقولوه لغيرهم .
--> ( 1 ) رواه البخاري : الجهاد والسير - لا يعذب بعذاب الله ( 2794 ) ، والترمذي : الحدود - ما جاء في المرتد ( 1378 ) ، والنسائي : تحريم الدم - الحكم في المرتد ( 3991 ) ، وأبو داود : الحدود - سنن من ارتد ( 3787 ) ، عن ابن عباس رضي الله عنهما .